مجد الدين ابن الأثير
304
المختار من مناقب الأخيار
بغداد قال أبو عبد اللّه أحمد بن يحيى الجلّاء : سمعت أبي يقول : كنت عند معروف في مجلسه ، فدخل عليه رجل ، فقال : يا أبا محفوظ ، رأيت في هذه الليلة عجبا . قال : وما رأيت ، رحمك اللّه ؟ قال : اشتهى عليّ أهلي سمكا ، فذهبت إلى السّوق ، فاشتريت لهم سمكة وحملتها مع حمّال ، فمشى معي ، فلمّا سمعنا أذان الظهر ، قال الحمّال : يا عمّ ، هل لك أن نصلّي ؟ فكأنّه أيقظني من غفلة ، وقلت له : نعم ، نصلّي . فوضع الطّبق والسمكة من عليه على مستراح ، ودخل إلى المسجد . فقلت في نفسي : الغلام قد جاد بالطبق ، فأجود أنا أيضا بالسّمك . فلم يزل يركع حتى أقيمت الصلاة ، فصلّينا جماعة ، وركع بعد الصلاة ، وخرجنا ، فإذا الطّبق على حاله موضوع . فجئت إلى البيت ، وحدّثت أهلي بهذا ، فقالوا لي : قل له يأكل معنا من هذا السمك . فقلت له : تأكل معنا من هذا السّمك ؟ فقال : أنا صائم . فقلت له : أفطر عندنا . قال نعم ، أروني طريق المسجد . فأريته ، فدخل المسجد وجلس إلى أن صلّينا المغرب ، فجئت إليه ، وقلت له : تقوم رحمك اللّه ؟ قال : أو نصلّي عشاء الآخرة . فقلت في نفسي : وهذه ثانية يريد أنّ فيها خيرا . فلمّا صلّينا جئت به إلى منزلي ، ولنا ثلاثة أبيات : بيت فيه أنا وأهلي ، وبيت فيه صبيّة مقعدة ولدت كذلك لها فوق العشرين سنة ، وبيت كان فيه ضيفنا . فبينا أنا مع أهلي إذ دقّ داقّ الباب في آخر الليل ، فقلت : من يدقّ ؟ قالت : أنا فلانة . فقلت : فلانة قطعة لحم مطروحة في البيت ، كيف يستوي لها أن تمشي ؟ فقالت : أنا هي ، افتحوا لي . ففتحنا لها ، فإذا هي ،